سيف الدين الآمدي
52
غاية المرام في علم الكلام
ونحوه للحيوان . فعلى هذا إن أريد بالتقابل هاهنا تقابل السلب والإيجاب في اللفظ حتى إذا لم يقل إن الباري ذو سمع وبصر ، لزم أن يقال إنه ليس بذي سمع ولا بصر . فهو ما يقوله الخصم ولا يقبل بعينه من غير دليل . وإن أريد به ما هو من قبيل المتضايفين فهو غير متحقق هاهنا ، ومع كونه غير متحقق فلا يلزم من نفي أحد المتضايفين وجود الآخر البتة ، بل ربما يصح انتفاؤهما ، ولهذا يقال زيد ليس بأب لعمرو ولا بابن له أيضا . وإن أريد به ما هو من قبيل تقابل الضدين ، فإنما يلزم أن لو كان واجب الوجود مما هو قابل لتوارد الأضداد عليه ، وذلك مما لا يسلمه الخصم ، وليس عليه دليل . كيف وإنه لا يلزم من نفي أحد الضدين وجود الآخر . بل من الجائز أن يجتمعا في العدم والسلب ، ولهذا يصح أن يقال : إن الباري - تعالى - ليس بأسود ولا أبيض ، ولو لزم من نفي أحد الضدين وجود الآخر لما صدق قولنا بالنفي فيهما . وأما إن أريد به ما هو من قبيل تقابل العدم والملكة ، فلا يلزم أيضا من نفي الملكة تحقق العدم ، ولا من نفي العدم تحقق الملكة ، ولهذا يصح أن يقال : الحجر ليس بأعمى ولا بصير . نعم إنما يلزم العدم المذكور من ارتفاع القوة الممكنة للشيء المستحقة له لذاته أو لذاتي له كما بينا ، والقول بارتفاع مثل هذه القوة في حق الباري يجر إلى دعوى محل النزاع والمصادرة على المطلوب ، وهو غير معقول . فإذا السبيل الذليل في إثبات الصفات إنما يتضح بالتفصيل ، وهو أن نرسم في كل واحد منها طرفا ، ونذكر ما يتعلق به من البيان ، ويختص به من البرهان ، ونكشف عما يشتمل عليه من الأقاويل الصحيحة والفاسدة ، ولتكن البداية بتقديم النظر في صفة الإرادة أولا .